السؤال

ما الفتوى وحكم الشرع فيمن هو مقتدر على أداء فريضة الحج لكنه تبرع بتكلفة الحج على اقربائه الفقراء؟

الإجابة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بالإشارة إلى سؤالك المثبت نصه أعلاه، فإن فريضة الحج ركن من أركان الإسلام، وهو واجب على المستطيع ولا يسقط ولا يستبدل بأي نوع من أنواع القربات أو الصدقات عن القادرعلى الحج، أما تكرار الحج فمن العلماء من فضله على الصدقة ومنهم من فضل الصدقة خاصة زمن الفقر والعوز عليه.

والحج فريضة محكمة محتمة ، وهو الركن الخامس من أركان الإسلام، وقد اجتمع فيه عبادة بدنية كالصلاة والصيام، وعبادة مالية تشبه الزكاة لما فيه من الإنفاق في سبيل الله ، وفيه مجاهدة للنفس والبدن.

وقد ثبت فرضيته بالقرآن والسنة المتواترة والإجماع، فمن القرآن قوله تعالى : {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } سورة البقرة الآية 196، وقال تعالى : { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } سورة آل عمران الآية 97، فقوله تعالى : " وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ " صيغة إيجاب وإلزام ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : " وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ " فإنه جعل مقابل الفرض الكفر، فترك الحج من شأن غير المسلم. ( الحج والعمرة / نور الدين عتر 12)

وقد ورد عن ابن عباس – رضي الله عنهما- أنه فسّر الآية فقال : " من زعم أنه ليس بفرض عليه " ورجح الطبري هذا المعنى ( تفسير الطبري 6/51) .

ومن السنة فقد روى ابن عمر – رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال ((‏‏ ‏بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ  )) (متفق عليه ، رواه البخاري في كتاب الإيمان برقم 8، ومسلم في كتاب الإيمان برقم 120) .  

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : ((خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ ‏ ‏ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ثُمَّ قَالَ ‏ ‏ذَرُونِي ‏ ‏مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ  )) ( رواه مسلم في الحج رقم 3321 ) ولقد بلغت أحاديث الحج مبلغ التواتر الذي يفيد اليقين والقطع بثبوته .

 

ولقد انعقد الإجماع في عهد الصحابة إلى يومنا هذا على أن الحج فريضة على كل مسلم مستطيع مرة في العمر مرة واحدة، ولقد حكم العلماء على منكر هذه الفريضة وعلى من اعتقد حجاً آخر بدل الحج إلى الكعبة والمناسك أنه كافر مرتد . ( المغني 3/154، مجموع فتاوى ابن تيمية 2/308)

وأما تفضيل الصدقة على حج النافلة وهو ما يقع للمرة الثانية أو بعدها فمن العلماء من قال الحج أفضل وهو قول طاووس والحسن .

وفضل النخعي وآخرون الصدقة .

وقال بعض العلماء : إن كان هناك رحم محتاجة أو زمن مجاعة، فالصدقة أفضل وإلا فالحج، وهو قول أحمد، قال الحسن : إن صلة الرحم والتنفيس عن المكروب أفضل من التطوع. ( المقالات النفيسة 12)

وفي هذا الزمان، وخاصة في بلادنا إذ كثر أهل الحاجة، فالأولى عندي إخراج المال في الصدقة من حج التطوع، مع ما في هذا من إفساح المجال لمن لم يحج حجة الفريضة وهي رغبة لدى كثير من الناس ولم تكتب لهم حتى الآن .

وعليه فإن على السائل أن يسعى لأداء فريضة الحج فإنه دين في رقبته.