السؤال

السلام عليكم
هذا السؤال يراودني التفكير فيه وأحتاج لإجابة شافية عليه... أنا مآمنة بالشرع إيمان كامل ومتأكدة إنه عادل لكن بعض مطبقينه غير عادلين... السؤال هو (هل الشرع مجرد قانون يتم تطبيقة بعيداً عن الظروف والمعطيات ؟)
لانه رأيت بالفترة الأخيرة عدة مواقف خصوصاً في الميراث جعلتني افكر... هلأ بالميرات للذكر مثل حظ الأنثيين لأنه الذكر هو الي عادة بصرف على البيت، بس هاد مش دائماً فمثلاً لما بكون في تقسيم للميراث بين الأخ وأخته المفروض انه الأخ اله حصتين واخته الها حصة لكونه هو بصرف على البيت وهي لا... بس هلأ بحالة اخته كانت أرملة وهي الي بتصرف على بيتها وأولادها الأيتام وهو بعيل منزله مشاركة مع زوجته العاملة... برضو بكون للذكر مثل حظ الأنثيين دون إعتبار انه اخته هي المعيلة الوحيدة لبيتها ؟

الإجابة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد؛

فإن الناظر في النظام التشريعي في الميراث الإسلامي يجد أنه إذا تساوى الوارثون في درجة القرابة من المتوفى، واتفقوا وتساووا في موقع الجيل الوارث من تتابع الأجيال مثل أولاد المتوفى ذكورًا وإناثًا، فإن العبء المالي هو المؤثر في تفاوت أنصبة الميراث للورثة. وفي هذه الحالة تتقدم حصة الذكر الإرثية مع زيادة نفقاته وأعبائه المالية بخلاف الأنثى، بناء على القاعدة الفقهية "الغنم بالغرم" المستفادة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "الْخَرَاجُ بالضَّمَانِ"، ذلك أن الذكر مكلف بالإنفاق على المرأة زوجة كانت أم بنتًا أم أمًا أم أختًا، بينما المرأة لا تكلف بالإنفاق على أحد سواء أكان زوجًا أم أبًا أم ابنًا أم أخًا. ولذلك لم يعمم القرآن الكريم هذا التفاوت بين الذكر والأنثى في عموم الوارثين، وإنما حصره في هذه الحالة خصوصًا حيث قال الله تعالى: "يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ".

فالتشريع الإسلامي ينظر إلى واجبات المرأة والتزامات الرجل ويقارن بينهما، وهو يبين نصيب كل واحدٍ منهما على هذا المعيار إعمالا لمبدأ العدل وتحقيقًا للإنصاف والتوازن ولقاعدة الغرم بالغنم.

إن ميراث المرأة في الفقه الإسلامي لم يقصد لذاته، بل هو مرتب على نظام الزواج فيه، وهو كعملية الطرح بعد عملية الجمع لإخراج نتيجة صحيحة من العملين معًا، فإذا وجب للمرأة أن تأخذ من ناحية وجب عليها أن تدع من ناحية تقابلها. فالرجل يؤدي للمرأة مهرها ابتداءً ولا تؤدي هي له مهراً والرجل ينفق عليها وعلى أولادها منه وهي معفاة من هذا التكليف ولو كان لها مال خاص، وأقل ما يصيب الرجل من هذا التكليف أن يحبس فيه إذا ماطل، والرجل عليه في الديات والتعويض عن الجراحات، متكافلا مع الأسرة، والمرأة منها معفاة. والرجل عليه النفقة على المعسرين والعاجزين عن الكسب في الأسرة الأقرب فالأقرب، والمرأة معفاة من فريضة التكافل العائلي العام حتى أجر رضاع طفلها من الرجل وحضانته عند افتراقهما في المعيشة أو عند الطلاق يتحملها الرجل ويؤديها لها كنفقتها هي سواء بسواء، فهو نظام متكامل توزيع التبعات فيه هو الذي يحدد توزيع الميراث ونصيب الرجل من التبعات أثقل من نصيبه في الميراث.

مع ملاحظة أن الحالات التي يكون للمرأة نصف الرجل في الميراث هي فقط أربع حالات، وهناك أكثر من ثلاثين حالة ترث المرأة مثل الرجل أو أكثر منه أو أنها ترث هي وهو لا يرث.

وبالنظر لطبيعة الحالات التي تتحدث عنها الأخت الكريمة في السؤال فإن الأرملة وفق قواعد الميراث ترث زوجها لأنها توفيت قبله، وأولادها التي ستعيلهم هي كما ورد في السؤال يرثون من المتوفي (الزوج) بالنسبة للأرملة والذي هو (الأب) بالنسبة للأولاد، ولذلك فموضوع كسب المال بالنسبة لهم قد حصل من جهة ميراث الزوج والأب أي من هاتين الجهتين، وهنا قد يكون لهم كل المال الذي تركه الزوج (كل ما يتركه من أموال وتقاعد ومكافأة نهاية خدمة..) إن لم يكن قد ترك أبا أو أمًا له، وهو (الزوج) كذلك إذا توفي قبل حياة أبيه فإن لأولاده وصية واجبة في الشرع والقانون.

ونظام النفقة في الشريعة يجعل الجد (أب الأب) بالنسبة للأولاد، و(الأب) بالنسبة للأرملة كل منهم ملزمًا بالإنفاق والإعالة للأرملة وأولادها وفق ترتيبات معروفة في الفقه والقضاء الشرعي، فهي تبدأ بالآباء ثم الأجداد ثم الإخوة ثم الأعمام..، وذلك لتحقيق الرعاية المادية الكاملة في النظام المالي الإسلامي.

وأما مسألة مشاركة الزوجة زوجها في أعمال البناء والنفقات الاجتماعية وأن هذا الأمر يمكنها من تحصيل نسبة أعلى في الميراث؛ فهو أمر لا يصح لأن مشاركتها له في ذلك ليست إلزامية وفق النظام الإسلامي الذي أعطى الرجل زيادة عليها في الميراث، ثم إن هذه المشاركة من الحقوق الثابتة لها في مال الزوج، فإذا حصلت وفاة الزوج قبل الزوجة؛ فإن هذا الحق ـــــ إذا لم تكن متبرعة له بهذا المال ــــ يتقدم على حقوق الورثة الإرثية، فلا يرث أحد من الورثة شيئًا من التركة قبل أن تأخذ الزوجة ما دفعته لزوجها من مال في بناء المنزل ونحو ذلك مما يتعلق بتركة المتوفى، وهي كواحدة من الورثة تجمع بين هذا الحق (الدين على تركة الزوج) وحقها كذلك في استحقاق الميراث (من الزوج).

 والله تعالى أعلم.