السؤال

رقم مرجعي: 117534 | قضايا طبية معاصرة |

حكم إجراء التجارب الطبية على الإنسان؟

الإجابة

خلق الله الإنسان وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، فهو من أعظم مخلوقاته، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وبلغ من إجلال هذا المخلوق وإكرامه أن نسب خلقه إلى ذاته العلية، فقال سبحانه:" قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ "(1 ). وهذه المرة الوحيدة التي يستعمل فيها سبحانه هذه الصيغة لأحد من خلقه، فكل الخلائق أخبر عنها سبحانه أنه خلقها أو فطرها أو سواها أو جعلها .... الخ، إلا الإنسان فقد أضاف خلقه إلى يديه، وهذا غاية الإكرام من الرب الأعلى لهذا المخلوق، أن تولاه بيده سبحانه( ). فقال:" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا"(2 ).
وسخر الله الكون للإنسان - أرضا وسماء ونباتا وحيوانا وبحارا وأنهارا وهواء - لخدمته وتسهيل عيشه، قال سبحانه:" أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً "( 3). ثم أحاطه بسياج منيع من الضمانات والتشريعات الكفيلة باستمرار نوعه وبقاء نسله (4 ).
فللنفس البشرية أهمية جليلة في نظر الإسلام، استحقت معها أن تكون إحدى الضروريات الخمس، بل المقصد الأسمى الذي ترتد إليه سائر المقاصد الأساسية في التشريع الإسلامي، وذلك لتوقفها جميعاً على الإنسان نفسه، سواء من حيث إيجاده، أو تنميته، أو حفظه(5 ).
فقرر أن الاعتداء عليه جريمة يمس الإنسانية كلها. قال تعالى:" مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا "(6). فعصمة النفس، وحفظ الأرواح حق وواجب معا، فكما يحق للإنسان أن يحيا، يجب عليه ذلك أيضاً، وكما يحرم على الغير الاعتداء على حياته، حرم عليه الاعتداء على حياة نفسه أو الآخرين(7 ). قال تعالى:" وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً "( 8). من أجل ذلك كان تقديس الشرع لحق الحياة، وهدد المعتدي بالعذاب الشديد، والخلود في نار جهنم عقاباً أخروياً( 9). قال سبحانه:" وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا "(10 ).

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
۝
1
(1:1)


- حكم إجراء التجارب الطبية على الإنسان(11 ):

يسعى الأطباء والباحثون لإيجاد العلاجات المناسبة التي تنقذ الإنسان من كثير من الأمراض، من خلال إجراء تجارب مختلفة تضمن تفادي الإضرار به ما أمكن ذلك، فهل يجيز الشرع إجراء مثل هذه التجارب أم لا ؟

تقسم التجارب الطبية التي تجري على الإنسان إلى قسمين:
القسم الأول: تجارب لا تضر بالإنسان أو ضررها قليل يمكن السيطرة عليه:
أجرى العلماء والباحثون تجارب تم اختبارها على غير الإنسان، وتوصلوا إلى أنه لا ضرر فيها على البشر، من ذلك:
1- التجارب التي تجري على الإنسان لمعرفة المزيد عن تفصيل ووظائف الأعضاء.
2- التجارب الدوائية التي تجري لمعرفة الجرعة المناسبة وكميتها وأوقاتها ومدى نجاعة العلاج وكفاءته في معالجة المريض بهذا الدواء الجديد.
3- تجارب تجري لمعرفة مدى فاعلية الأجهزة الجديدة والحديثة في الطب.
4- تجارب لمعرفة مدى فاعلية بعض أنواع الأطعمة والأشربة على الإنسان وصحته.

حكم هذه التجارب:
إن الشريعة الإسلامية تؤيد العلم وتدفع بالإنسان للتفكر والتدبر في الكون، وإجراء التجارب لاكتشاف ما به من دلائل وأسرار وعلوم ومعارف تسهم في حل مشكلاته الصحية وإيجاد العلاج الذي به تحيا النفوس وتصح، فقال سبحانه:" وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا "( 12).
فإجراء التجارب على بعض البشر للاستفادة من نتائجها في خدمة الإنسانية فيه إحياء للآخرين، ورعاية لمصالحهم الصحية، فجاز بهذا الاعتبار.
وجاءت السنة النبوية الشريفة تحض على التجربة العلمية غير الضارة بالإنسان، ومن ذلك:
- ما رواه أسامة بن شريك قال:" قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى ؟ قال: نعم يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، أو قال: دواء، إلا داء واحد، قالوا: يا رسول الله وما هو ؟ قال: الهرم" (13 ).
ففي الحديث الشريف يبين لنا الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن الله عزّ وجل ما خلق داء إلا خلق معه دواء، ودعا الناس للبحث عن علاج أسقامهم وهذا يحتاج إلى التجربة تلو الأخرى ليتأكد نفع الدواء ونجاعته للمريض.
كما أن مقاصد الشريعة تدفع للقول بجواز إجراء التجارب ومشروعيتها للوصول بالإنسان إلى مراقي الصحة والعافية، فإن حكم الوسائل متعلق بحكم المقاصد، لسعيها لجلب مصالح الناس وتحقيق أهدافهم وغاياتهم، ومن أسماها حفظ صحة الإنسان.
قال الغزالي:" ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة "(14 ).
وبما أن هذا النوع من التجارب لا ضرر فيها على الإنسان ولا يشكل خطراً يهدد حياته جاز بل واستحب لما فيه من خير ومنفعة تعود على صحته(15 ).
القسم الثاني: تجارب تضر بالإنسان وتلحق الأذى بنفسه أو بعضو من أعضاءه: من ذلك:
1- بعض التجارب الحيوية ( فيروسية، بكتيريا.... الخ).
2- بعض التجارب الدوائية التي تجري على الإنسان لمعرفة آثارها الجانبية وتكون ضارة وخطرة بنتائجها.

3- تجارب تجري لمعرفة مدى الضرر المحتمل من استخدام أسلحة حربية، كيميائية، نووية، مواد خطرة أو فتاكة أو بعض السموم وما شابه ذلك.
حكم هذه التجارب: إن مثل هذه التجارب تلحق الأذى والضرر الكبير بالإنسان وقد تؤدي إلى موته وهلاكه، وهذا يتعارض مع مقاصد الشريعة في حفظ حياة الإنسان وحقه في الوجود والتنعم بصحة وعافية، وفيها اعتداء عليه وهدم لبنيته وإهدار لصحته حرمته الشريعة وكذا القوانين الدولية والقيم الأخلاقية مهما كانت أهمية هذه التجارب ونتائجها المترتبة عليها، كما لا يجوز أن تجرى على الإنسان مطلقاً لأنه من العبث والإفساد المنهي عنه في شرعنا بغض النظر عن لونه أو دينه أو عرقه إحتراماً لآدميته وكرامته عند الله. فقال سبحانه:" مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا "(16 ). ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -عن إلحاق الضرر والأذى بالناس فقال:" لا ضرر ولا ضرار"(17 ).
فالشريعة قامت على درء المفاسد وجلب المصالح، وهذه التجارب فيها مفاسد عظيمة تهدد حياة الإنسان وصحته، يجب دفعها وردها وحظرها حفاظاً على مصلحة حفظ النفوس وسلامتها، وهذا من رحمة الشريعة وعدلها على العالمين.
قال ابن القيم - رحمه الله –:" فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل"( 18).
وبما أن هذه التجارب تلحق الأذى والضرر بالإنسان فهي محرمة ولا يجوز إجراءها( 19).

 

مراجع:

(1 ) سورة ص: الآية (75).
(2) حسن: د. عزت حسن: نعم الله في خلق الإنسان كما يصوره القرآن الكريم، ص91، 96، 98، رسالة في التفسير الموضوعي،ن مكتبة المعارف، الرياض، ط1، 1984م.
(3) سورة الإسراء: الآية (70).
(4) سورة لقمان: الآية (20).
(5) حسن: نعم الله في خلق الإنسان كما يصوره القرآن الكريم، ص91، وما بعدها.
(6 ) عقلة: د. محمد عقلة: الإسلام مقاصده وخصائصه، ص165، سلسلة نظام الإسلام – 2- مكتبة الرسالة الحديثة – عمان – الأردن – ط1 – 1982م. .

(7) سورة المائدة: الآية (32).
(8) الدريني: د. فتحي الدريني: خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، ص242، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1982م.
(9 ) سورة النساء: الآية (29).
(10) الدريني: خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، ص247.
(11 ) سورة النساء: الآية (93).
(12) انظر: أبو مطر: ناريمان وفيق محمد، التجارب العلمية على جسم الإنسان- دراسة فقهية مقارنة – رسالة ماجستير بإشراف محمد أحمد السوسي – الجامعة الإسلامية – غزة – 2011، ص 37.
(13) سورة المائدة: الآية (32).
(14) ابن ماجه: محمد بن يزيد، سنن ابن ماجه، 4/383، حديث رقم (2038)، باب ما جاء في الدواء والحث عليه. قال الألباني: حديث صحيح.
(15) الغزالي: محمد الغزالي، المستصفى في علم الأصول، 1/174، دار الكتب العلمية – بيروت – ط1- 1413هـ.
(16 ) انظر: أبو مطر: التجارب العلمية على جسم الإنسان، ص48 - 51.
(17) سورة المائدة: الآية (32).
(18) ابن ماجه: سنن ابن ماجه، 2/748، حديث رقم (2340)، كتاب الأحكام، باب من بنى في بيته ما يضر بجاره، قال الألباني: حديث صحيح.
(19 ) ابن القيم: إعلام الموقعين، 3/3، دار الجيل بيروت – 1973.
(20) انظر: أبو مطر: التجارب العلمية على جسم الإنسان، ص 38- 47.

لديك أي استفسار عن فتوى معينة؟

أرسل سؤالك الآن

أوقات الصلاة

مدينة نابلس GMT+3، وبالاعتماد على توقيت رابطة العالم الاسلامي.

الفجر

الظهر

العصر

المغرب

العشاء