سؤال
رقم مرجعي: 117542 | المعاملات المالية المعاصرة | 20 يوليو، 2026
استشكالات فقهية تتعلق بأحكام فقهية في المال
**ما قولُ السادةِ العلماءِ والمفتين في المسألة الآتية؟** لقد سألتُ بعضَ المفتين عن حكم المال الحرام، فأجابوا بأنه إذا اختلط المال الحرام بالمال الحلال اختلاطًا لا يمكن معه التمييز بينهما، فإن المال كلَّه لا يُحكم بحرمته، بل يُقدَّر مقدار المال الحرام أو نسبته، فيُخرَج ذلك المقدار، ويبقى ما عداه حلالًا. وذكروا في الاستدلال على ذلك كتاب **فقه البيوع** و**المقالات الفقهية** لفضيلة الشيخ محمد تقي العثماني حفظه الله، كما ذكروا أن الفتوى في هذه المسألة على قول الإمام الكرخي رحمه الله. ولكن لم يتضح لي الأساس الشرعي والفقهي لهذا الحكم؛ إذ كيف يُكتفى بإخراج مقدار المال الحرام بنسبةٍ معينة مع أن المال الحرام قد اختلط بالمال الحلال اختلاطًا لا يتميز معه أحدهما عن الآخر؟ فما الدليل الشرعي أو القاعدة الفقهية التي بُني عليها اعتبارُ هذه النسبة؟ ومن الأمثلة التي يتبادر بها الذهن: أن الفقهاء يذكرون في بعض مسائل النجاسات أنه إذا وقعت النجاسة في شيءٍ طاهر على وجهٍ يكون له أثرٌ معتبر، فإن ذلك الشيء يحكم بنجاسته. فلماذا اختلف الحكم في باب الأموال؟ وما الفرق الأصولي والفقهي بين البابين؟ وهل يوجد في كتاب الله تعالى أو سنة رسول الله ﷺ أو في آثار الصحابة رضي الله عنهم أو في القواعد الفقهية دليلٌ صريح يدل على اعتبار هذا التناسب في الأموال؟ وهناك إشكالٌ آخر، وهو أن الفقهاء يذكرون أنه إذا وقع في يد الإنسان مالٌ حرام، فإنه يتخلص منه بصرفه إلى الفقراء **من غير نية الثواب**، وبذلك تبرأ ذمته. وأنا لا أفهم الأساس الشرعي لهذا الحكم أيضًا؛ فكيف يكون هذا المال غير جائز الانتفاع به بالنسبة إلى صاحبه، ثم يجوز للفقير الانتفاع به؟ وما الدليل على ذلك؟ وكذلك يذكر بعض أهل العلم أنه لا يجوز أن يتصدق بهذا المال بنية الثواب والا یکون کافرا ، فما الأساس الشرعي والفقهي لهذا الحكم؟ وأخيرًا، لقد عرضتُ هذه الإشكالات على عددٍ من العلماء، ولكن لم يزل الإشكال قائمًا عندي، ولم تحصل لي الطمأنينة الكاملة. لذا أرجو من فضيلتكم التكرم ببيان الجواب **بلغةٍ سهلةٍ وأسلوبٍ واضح**، مع بيان الأدلة الشرعية والقواعد الفقهية التي بُنيت عليها هذه الأحكام. وجزاكم الله خيرًا.
إجابة
- إذا اختلط المال الحرام بالمال الحلال اختلاطًا لا يمكن معه التمييز بينهما، فإن المال كلَّه لا يُحكم بحرمته، بل يُقدَّر مقدار المال الحرام أو نسبته، فيُخرَج ذلك المقدار، ويبقى ما عداه حلالًا.
والأساس الشرعي والفقهي لهذا الحكم: أن المال النقدي غير محرم لعينه وذاته، بل محرم بسبب كسبه، فلا تتعلق الحرمة بذاته، فإذا أخرج ما يُعادله، كان ذلك مكان ما تم اكتسابه، وبقي عين النقد الذي في يده حلالا.
ولأن تكليفه بإخراج كل المال الذي في يده، بسبب أنه لا يميز ما اكتسبه بالحرام منه، فإن فيه حرجًا ومشقة وتضييقًا، والله تعالى يقول: "وما جعل عليكم في الدين من حرج".
وأما اختلاط النجاسة بماء طاهر يتغيّر بها، فإنه يُحكم بنجاسة الكل؛ لأن النجاسة نجسة بعينها، فتُنجّس ما تخالطه. وهذا الفرق بين النجاسة والمال النقدي.
- وإذا وقع في يد الإنسان مالٌ حرام، ولم يعرف صاحبَه، أو لم يمكن إرجاعه لصاحبه، فإنه يتخلص منه بصرفه في وجوه الخير أو إلى الفقراء. ولا يكون له أجر المتصدق بماله؛ لأنه ليس مالَه، ولكن له أجر نية التخلص من الحرام والتوبة. وهذا معنى أنه لا يتصدق به بنية الثواب، أي لا يكون له أجر المتصدق بماله؛ لأنه ليس مالَه.
- ويكون هذا المال غير جائز الانتفاع به بالنسبة إلى صاحبه، ثم يجوز للفقير الانتفاع به؟ لأن الحرمة لا تتعلق بعين المال الحرام، بل بكسبه، فيكون حراما على مكتسبه بالحرام حلالا لغيره.
والدليل على التفرقة في الانتفاع بالمال بحسب الشخص، حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أَهْدَتْ بَرِيرَةُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَحْمًا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهَا، فَقَال: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ»، متفق عليه. ووجه الدلالة: أنه اختلفت صفة المال وحكمه بحسب اختلاف الشخص، واختلاف طريقة اكتسابه للمال.
