السؤال

رقم مرجعي: 614848 | المعاملات المالية المعاصرة |

حكم أخذ التعويض من شركات التأمين عن حوادث السير؟

الإجابة

للوصول الى الحكم الشرعي في المسألة المشار اليها أعلاه سأبدأ الحديث عن مفهوم التعويض عن الضرر
1-الضرر: هو كل نقص يدخل على الأعيان وهو ضد النفع (الفيومي: المصباح المنير 2/492) وهو محظور شرعاً بكل أشكاله، لقوله صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار، حتى أصبح هذا الحديث قاعدة فقهية تحكم كل أنواع الضرر.
(الندوي: علي أحمد: القواعد الفقهية ص45) وقد عرف فقهاء الشريعة الضرر بأنه: كل أذى يلحق الشخص سواء كان في جسمه أو ماله أو عرضه (د. زكي زيدان: حق المجني عليه في التعويض عن الضرر النفس ص53)
2-التعويض: لم يستخدم الفقهاء هذا المصطلح، وإنما عُرف عندهم ما يسمى بالضمان، وهو أشمل معنىً من التعويض، فمعنى التعويض: أخذ البدل عن المتلف أو الهالك، وعرفته الموسوعة الفقهية الكويتية بأنه: ما وجب من بدل مالي بسبب الحاق الضرر بالغير، أما الضمان فيشمل البدل عن إلحاق الأذى بالأنفس أو الأموال أو الأشخاص أو العقود(د. محمد فوزي فيضل الله: نظرية الضمان في الفقه الاسلامي ص41).
ويشترط للتعويض عن الضرر:
 -مالية المتلف في نظر الشريعة، فلا ضمان في الخمر أو الخنزير، بمعنى أن يكون مال المتلف متقوماً يباح الانتفاع به شرعاً.
3-التعويض عن النفس وما دونها:
أوجب الشرع الاسلامي عقوبات مختلفة عند الاعتداء على النفس أو ما دونها، منها القصاص والديات، فالقصاص يكون في النفس أو الأطراف كالعين والأنف والأذن والسن والجروح.
وأما الديات فتكون من باب العقوبة والتعويض المالي في حال كون الجناية خطأ أو شبه عمد فتكون مخففه في الخطأ ومغلظة في شبه العمد وهي في النفس مئة من الابل أو ألف مثال من الذهب....الخ.
وفي حال الجناية على الأطراف فالدية الواجبة تختلف باختلاف العضو المبتور، فإن كان ليس له نظير كاللسان والأنف ففيه دية كاملة، وان كان له نظير واحد كالعين والأذن ففيه نصف دية، وان كان فيه أكثر من نظير فالدية بمقدار ذلك، فالأصبع مثلاً فيه عشر الدية، والسن نصف عشر الدية. وهذا ما يسمى بالأروش.
وأما الشجاج والجراح فالواجب فيها حكومة، وهو ما يتم تقويمه وتقديره من القاضي بعد الاستعانة بالخبراء، مع الأخذ بعين الاعتبار أن بعض الشجاج مقدّر ديته من الشارع، فالموضحة فيها خمس من الأبل، والمأمومة فيها ثلث الدية.
4-التعويض عن الضرر الناجم عن حوادث السيارات: هناك تعويضات مالية غير ما ذكرنا تدفع لمعالجة الأضرار الناجمة عن حوادث السيارات منها:
-علاج المصابين
-إصلاح أضرار السيارة.
-التعويض عن العطل والضرر.
فما ينتج عن حوادث السيارات من أضرار بدنية أو مادية يجب جبرها والتعويض عنها، كما أسلفنا في بيان مفهوم الضرر والتعويض، وأما التعويض عن العطل والضرر فهناك خلاف بين الفقهاء في مدى جواز تعويض المصاب عن عطله بسبب الاصابة بين مانع ومجيز، وأصل الخلاف مبني على مدى مالية المنافع فعند الحنفية لا تعتبر المنافع أموالاً بخلاف الجمهور، ومع هذا فقد ذهب كثير من الفقهاء الى منع تعويض المصاب عن عطله بسبب الاصابة، ولعل العلة في ذلك عند المانعين هي أن الشرع أوجب له تعويضاً في ذمة الجاني يقدر بمقدار الاصابة، فيكون العطل داخلاً في هذا التعويض.
5-من يتحمل التعويض عن الجناية:
-الجاني: الأصل أن يكون الذي يتحمل المسؤولية الجنائية المباشر لها لقوله تعالى(ولا تزروا وازرة وزر أخرى "164الانعام") وقوله تعالى (كل أمرئ بما كسب رهين"الطور21") ولقوله صلى الله عليه وسلم: لا يجني جانٍ الا على نفسه (الحاكم المستدرك على الصحيحين "2/461").
وهذه المسؤولية على الجاني تكون في حال جناية العمد أو شبه العمد عند بعضهم.
-العاقلة: وهم أقرباء الجاني من جهة أبيه على رأي جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وهم يعقلون عن الجاني ويتحملون التعويض المالي في حال جناية الخطأ أو شبه العمد وعند عدم وجود العاقلة فالتعويض يكون في بيت مال المسلمين (الدولة).
6-دور شركات التأمين في التعويض عن الجنايات.
-شركات التأمين نوعان، تجارية وتعاونية، فشركات التأمين التجارية اختلف العلماء المعاصرون في مشروعيتها، فأكثرهم على تحريمها كما ذهب الى هذا المجمع الفقهي الاسلامي في دورته العاشرة وكذا هيئة كبار العلماء لما يحويه عقد التأمين التجاري من غرر وريا وجهالة واحتمال، بينما ذهب بعض الفقهاء المعاصرين الى جوازه، منهم الشيخ مصطفى الزرقاء وعدوه من باب التعاون في ترميم الأضرار، وأن الأصل في الأشياء الاباحة، كما قاسوه على عقد الموالاة.
والأرجح المنع: وأرى استثناء تأمين السيارات، لأن التأمين عليها إجباري يجب القيام به بقوة السلطان وأما شركات التأمين الاسلامية فذهب العلماء المعاصرون الى جواز التعامل معها، لأنها تقوم على فكرة التعاون والتناصر والتكافل: فمن حرم التعامل مع شركات التأمين التجارية لم يجوّز أن تقوم مقام العاقلة في التكافل المالي. لأن فكرة شركات التأمين التجارية تقوم على المعاوضة والربح المالي وفكرة العاقلة تقوم على النصرة والتكافل، وأما من أجاز التعامل معها أجاز حلولها مقام العاقلة في مسألة التأمين.
أما التأمين الاسلامي فلا مانع أن يحل محل العاقلة لأن فكرته تتفق مع فكرة العاقلة في النصرة والتعاون وجبر الأضرار الناجمة عن الجنايات والحوادث والى هذا ذهب بعض علماء مؤتمر المجمع الفقهي الاسلامي في دورته الثامنة المنعقدة بتاريخ سنة 1415هـ-1940.
وعلى هذا: فلا مانع من الوجهة الشرعية أن تقوم شركات التأمين مقام العواقل في تحمل الديات سواء كانت شركات اسلامية تعاونية أو تجارية بشرط: أن يكون مبلغ التأمين مساوياً لمقدار الدية الشرعية وفي حال نقصانه يتم استكمال الباقي من الجاني أو عاقلته أو الصلح عليه. فالصلح على مقدار الدية جائز وكذا الابراء منه في حال العفو. (انظر: محمد خير ابراهيم دراردكه: دفع الدية من قبل شركات التأمين المعاصرة)
هذا والله أعلى وأعلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
-الشيخ مصطفى الزرقاء : التأمين.
-الشيخ علي أحمد الندوي: القواعد الفقهية.
-د. زكي زيدان: حق المجني في التعويض عن ضرر النفس
-مجلة مجمع الفقه الاسلامي
-د.محمد فوزي فضل الله: نظرية الضمان في الفقه الاسلامي.
-الفيومي: المصباح المنير
-الموسوعة الفقهية الكويتية.
-الحاكم: المستدرك على الصحيحين.

لديك أي استفسار عن فتوى معينة؟

أرسل سؤالك الآن

أوقات الصلاة

مدينة القدس GMT+3، وبالاعتماد على توقيت أم القرى، مكة المكرمة.

الفجر

[{timeCalc.timeDawn}]

الظهر

[{timeCalc.timeZuhr}]

العصر

[{timeCalc.timeAsr}]

المغرب

[{timeCalc.timeMaghrib}]

العشاء

[{timeCalc.timeIsha}]